الألم والحزن

الألم والحزن

عندما يحدث للإنسان فقد لكل ما له قيمة وأهمية عالية في حياته، كفقد أحد أعضائه أو شخص عزيز عليه أو حبيب أو صحة أو وظيفة، فإنّه يتألم، وهذا رد فعل طبيعي، ويندرج تحت مسمى الحداد. وهذا الأخير عبارة عن أربع مراحل، يعد الحزن جزءً منها، يعيش الإنسان في هذه المراحل ذهابا وإيابا، إلى أن يصل للمرحلة التي تشير إلى تمام فترة الحداد.

الدفاعات النفسية التي تعمل أثناء الألم الشديد

تأخذ أشكال مختلفة:

كالإنكار التام أو الجزئي للواقع، أي للحدث المؤلم. وقد تأخذ شكلاً من الصمت، الذهول أو العقلنة. وهي تحليل الموقف بشكل عقلاني بعيداً عن الإحساس. فالشخص عند تلقيه خبر مرضه بالسرطان لا يظهر مشاعره او انفعاله وإنما يفسره كمرض تم تشخيصه يحتاج للعناية والمراقبة الطبية. وبرغم ما يمرّ به الشخص المتألم، إلا أن هذه الدفاعات النفسية تعد صحية إن لم تتجاوز عدة شهور. والعقل اللاواعي يستخدمها لوقاية الإنسان من الصدمات النفسية التي تهز كيانه بشدة. لدرجة أنها قد تفصله عن المشاعر المؤلمة، وهذا يشبه التيار الكهربائي عندما يكون شديد السخونة، فإن الجهاز الوقائي يفصل مباشرة لمنع احتراق أجهزة المنزل، وبالتالي فإن نفس الأمر يحدث مع الإنسان. من الممكن أن تتسبب له تلك المشاعر القوية بمرض عقلي خطير، وهذه الدفاعات النفسية هي التي تحميه منها.

المشاعر التي يمر بها الإنسان أثناء مروره بمراحل الحداد

مرحلة الصدمة: المشاعر التي تكون فيها هي الحزن والإنكار.

مرحلة الغضب: يشعر الشخص المتألم بالحزن، ثم تظهر عنده مشاعر الغضب على ما حدث، ثم يتراوح بينهما، وقد يصاحب الحزن خوف، وقد يرجع أثناء ذلك إلى مرحلة الإنكار.

مرحلة التفكير السحري: وهو محاول رجوع بالزمن وإعادة صياغة الحدث، (عن طريق خلق سيناريوهات مختلفة والتي تكون مانعة للحدث المؤلم)، في شكل (لو حدث كذا... لما حدث كذا...) مثال عن ذلك يقول المتألم: لو لم أخبره بالذهاب هناك لما أصابه الحادث ولما كان الآن مشلولاً، وهذا التفكير قد يقلل الإحساس بالذنب.

مرحلة القبول: يدرك فيها المتألم استحالة تغيير الحدث أو الأمر المؤلم، لأنه جزء من الحكمة الإلهية التي تصنعنا. فيبدأ المتألم بالتغيير من الداخل حتى يتعامل مع ما يمر به بطريقة سليمة ومناسبة. فالبحث عن كيفية العيش في ظل الألم وتقبله بعد الفقد، يحدث تغييرا مستمراً لمواصلة الحياة. والدليل على أن ذلك الشخص المتألم وصل لمرحلة القبول، أي لممارسة الحياة وعيشها بكل ما فيها ورغم ما حدث فيها. 

 الانحباس في أحد مراحل الحداد

إن لم يكمل الشخص المتألم تلك المراحل التي ذكرناها، قد ينحبس في أحدها، حيث يكون تأثيرها قوياً عليه، وعلى من حوله. فمثلا:

الانحباس في مرحلة الحزن أو الإدمان: قد يصيب بالاكتئاب.

الانحباس في مرحلة الإنكار أو مرحلة الغضب: قد يتحول لعنف.

الانحباس في مرحلة الفكرة السحرية: قد تستهويه فكرة الانتقام، إذا حصل وحدث قتل، وذلك إلغاءً لموت الأول. وهناك أيضا من يعتدي عليه جنسياً في الصغر، وبالتالي عندما يكبر فربما يتحول إلى مغتصب للأطفال، وذلك ليلغي الاعتداء الجنسي الذي حصل له سابقاً، يتحول من معتدى عليه إلى معتدي. وهذا جرّاء عدم مروره السليم وصحي بمرحلة التفكير السحري ففكرة واحدة أثرت فيه بمشاعره وفكره وسلوكه.

الانحباس في مرحلة الصدمة وبالتحديد في العقلنة: كونه شخص مسؤول عن عائلة أو عن فريق عمل فليس مسموح له بالانهيار، قد يصبح شخصاً عقلانياً بعيداً عن كل ما له علاقة بالعاطفة.

السبب الرئيسي للانحباس

السبب وراء الانحباس في أحد هذه المراحل هو عدم التعبير عن المشاعر الحاصلة للشخص المتألم. أو يحدث التعبير عنها بعنف فيؤذي نفسه والآخرين. عندما تكون المشاعر أكبر من قدرة التعبير قد تأُثر في الجسم، وقد تسبب له أمراض مزمنة كالسكري أو مرض القلب أو حتى الشلل. نتيجة للمواد الكيميائية التي يفرزها الجسم كهرمون الأدرينالين والكورتيزون بدرجة كبيرة جراء شدة تلك المشاعر.

للمرور بسلام من الحداد

 لتمر مرحلة الحداد بسلام يجب التعبير عن المشاعر بالبكاء، الكلام أو الكتابة. وهذا كله يقي الإنسان من الوقوع في اضطرابات ما بعد الصدمة. "التي تجعله يعيش محتجز في زمن الحدث رغم مرور وقت طويل على حدوثه" فمروره السليم بهذه المراحل يخفف عليه المراحل القادمة بشكل كبير، فتصبح مناعته النفسة أقوى ورؤيته للحياة أعمق.

الرؤية الفيزيولوجية للحداد

هناك جانب فسيولوجي يعمل أثناء مرحلة الحداد، معرفته قد تساعد على تجاوزه بسلام، وهو المخ الوجداني المسؤول عن إنتاج المشاعر المتواجد تحت المخ العقلاني. أما الذي يتحكم بالمشاعر ويتصل بالواقع ويتعامل معه هي القشرة المخية التي يتواجد فيها مركز الكلام. عندما يعبر الإنسان عن مشاعره، يحدث ارتباط بين العقل الوجداني الذي به المشاعر والعقل الواعي في القشرة المخية التي فيها مركز الكلام. هذا الارتباط يستخدم للتعبير بالانتقال من الجانب الوجداني إلى الجانب العقلاني وكذلك سيطرة الجانب العقلاني على الجانب الوجداني. فالتعبير عن المشاعر يسمح بالتحكم بها ومعرفتها بشكل أوضح وأعمق فالإنسان وهبه الله قدرة على التعبير وهذا ما يجعله يتحمل الألم ويتجاوزه.

اللمسة الروحية للألم

"تجارب الألم تجعلنا نتعامل مع الله بقوته لا بضعفنا، وبقدرته لا بعجزنا، وبعلمه لا بجهلنا، وبمغفرته لا بذنبنا، وبعفوه لا بخطئنا فنحيا وفق منهج الحب، فسبحانه جلى في علاه بيده ملكوت كل شيء".