الألم وإرادة الله

الألم وإرادة الله

إذا كنا نريد قول أحد هاتين العبارتين: الله يريد بنا الألم، أو الله يسمح بالألم ويستخدمه. فماذا سنختار؟ كون الله "يريد" فهذا يعني أن فيه شر سبحانه، لأنه جزء من تصميمه وهذا الأمر غير مقبول إطلاقا، فسبحانه منزه عن هذا القول، فلا يأتي منه إلا الخير، والشر ليس إليه-. أما كون الله يسمح به، فهو بالتالي لا يريده لكنه لا يمحوه بل يسمح بوجوده. إن قول أن الله سبحانه يستخدم الألم فهي الأنسب لأن بها إيجابية وغائية. فسبحانه يستخدم الألم ليظهر لنا ما جهلناه منا، ويستخدمه المولى عز وجل لترقية عبده، وليكن دوما في حال أفضل، وذلك بتطهير وتطوير حياته.

 الألم ومنطقة الراحة

    كل البشر لديهم مناطق راحة يرتاحون بها ولا يمكنهم مغادرتها بسهولة. فالشخص الذي يعاني من السمنة مع حبه للأكل واستمتاعه به، يتحول ذلك لمنطقة راحة له رغم سلبيات السمنة. وإن ذهب لأخصائي التغذية وأعد له رجيم خاص، فهذا الرجيم يسبب له الألم بسبب الجوع ومقاومته لذة الأكل، كونه يخرجه من منطقة راحته المتمثلة في أسلوب حياته الغير صحي. وإن استمر وأصبح بوزن صحي وأكل متوازن، فإنه يتحول لمنطقة راحة بالنسبة له، فمن خلصت محبته لله يتجاوز الألم بطاقة اليقين به، فتكون معظم تأويلاته للتجارب -حتى وإن كانت مؤلمة-  إيجابية. تحمل له هدايا ربانية خاصة به. فيجتهد لفتحها بحب وشوق لمعرفة الحكمة منها. أما إذا كانت محبته ضعيفة، ويقينه بالله أضعف، فستكون تجربة الألم بالنسبة له كبيرة، كون تأويلاته سلبية فتزيد من الألم وتضخمه.

   "على العبد أن يكون دائم الاتصال بربه، دائم الحضور بقلبه في اللحظة. كونها تبعد الإنسان عن مضخمات الألم وهي الحزن والحسرة على الماضي والخوف من المستقبل".

 فالتجارب الحياتية تساعد الإنسان على تنمية يقينه، وتقوية صلته بالله ثم ذاته، فتتحول علاقة عميقة، جوهرها الحب، وأداة بناءها الألم.

الوصفة الإلهية للألم

   الألم من مكونات الحياة التي تجعل الإنسان يدرك قيمته. فأي كائن حي -حتى الجماد- يتعرض للكسر، للتعرية وللتحطم. فهذا الألم يفعّل طاقة الحياة لديه، ليستمر في نموه ورقيه. وما يميزه عن باقي الكائنات قدرته على الاختيار في جعل الألم أداة بناء أو أداة تهديم له. وهذا ما يجعل من طاقته مركزة وموجهة في الطريق الذي اختاره بعد التفكير والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها داخله. فالسؤال الصحيح هو ما يجعل اختياره صحيحاً. فلا يجب عليه السؤال عن السبب والمنشأ، فهذا ينتج عنه الكثير من العتاب. بل الأصح بحثه عن الحكمة فيما هو فيه، والسعي لإدراكها والعيش من خلالها برقي إنساني. وهذا ما يجعله إنسانا معمراً صالحاً في ذاته وفي هذا العالم ككل. وقدوة لكل من حوله ومستحقا لمهمة الاستخلاف التي أوكلت إليه.

الاقتناع بغاية الألم

     إدراك غاية الألم يخلق بنا الاستعداد والجاهزية، وذلك عندما تتجذر القناعات لدى الإنسان. فحين يدرك غاية الألم ويرسّخ اقتناعه به، يسهل عليه تحمله، وهذا أمر طبيعي من ناحية التفكير به بمنطقية. "لكن الحياة تعلمنا أن نؤمن قبل أن نقتنع، أن نبصر بعين الإيمان قبل أن يتضح كل شيء بعين العقل" فالأفكار والمفاهيم وحتى المشاعر تجعل من الإنسان مقيّداً في طريقة عيشه الحياة. فالحياة بمفهومها الحقيقي ليست مغلقة فالإنسان-بقدرته- يجعلها تتوسع وتتدفق إذا أراد لها ذلك. فيتحول كل ما يمر به مساهماً في تجلي ما يؤمن به. الإيمان هو ما يحرك الانسان ويحييه، محطّما كل القناعات المساهمة في تهديمه. فحين نؤمن أن الله صانعنا ونسمح له بصنعنا فهو الأدرى سبحانه بما صنع. ساعتها نحيا بإيمان والإيجابية في كل شيء حتى الألم.

الألم معبر للرفعة والرقيّ

    كما تستلزم الطبخة الوقت اللازم للنضج والمكونات الخاصة بها حتى تكون متفردة في مذاقها ومكوناتها، كذلك هو الإنسان. استعجاله هو ما يجعله قليل الصبر قصير النظر. فكون الله صانعه فهو الأدرى بميقات ومكونات تمكينه ليكون ممكّنا فيما خلق له. وفي رحلة التمكين الخاصة به يتألم والألم هنا كالنار التي تنضج الأكل. فكل إنسان له طاقة تعينه على تحمل الألم -والله الأعلم بها- حيث يجعله يكتشف جوهر رفعته ورقيه من خلال الألم تدريجيا. فالألم لا يقايض بالسعادة بل هو أمر طبيعي في رحلة النماء والارتقاء.

الله يحوّل الألم

    الله لا يوقف الألم وإنما يحوّله كما يتحول الفحم إلى ألماس من الضغط والحرارة. كذلك الأمر مع الإنسان فالله سبحانه لا يوقف الألم وإنما يحوّله، من أجل أن يصبح الإنسان إنسانا ذا نفع على جميع الخلق بإبداعه وشغفه، بخلق حياة أفضل. ما يجعل كل آلامه ومعاناته التي مر بها تذوب في الحب. فيكون الإنسان متصلاً حاضراً في الوجود بذكره لله، وهذا هو الإحسان؛ بأن يبصر الإنسان الله في خلقه ويظهره؛ أي يظهر صفات الله عن طريق إنجازاته الخلاقة فيجعل الكل يذكر الله مسبحا له. فمن يسمع موسيقى "بيت هوفن" يندهش الكل من قدرة الله، أن كيف لإنسان أصم وأبكم أن يبدع في إنتاج موسيقى مذهلة كهذه؟ فالآلام والمعاناة التي مر بها جعلته يظهر نبوغه في عالم الفن وهناك مثله الكثير في مجالات مختلفة.

مناقشة الألم مع المتألم

     لا يجب مناقشة الشخص المتألم لحظة ألمه عن سبب حدوث الألم؛ لأن الله يقيم عبده وفي إقامته إياه يشعر بالألم جراء ما يحدث له، وذلك أمر طبيعي لتتحقق إقامته له.

 فالحديث مع المتألم في الثمار التي زرع الله بذورها فيه الآن، قد يترك له فكرة تساعده على تجاوز الألم عندما يهدأ، خاصة أن هذه الفكرة عن فعل الله. "على الإنسان أن يبذل الأسباب الأرضية وبعدها يترك الله يخلق له الأسباب السماوية". فتحمّل الألم ينمّي صفات روحية ووجدانية في الكيان الباقي الذي يجعله يحيا في الحياة الأبدية. حيث يعمل على تنميتها في الحياة الحاضرة، كالشخص الذي يسكن في منزل هشّ بمنطقة نائية، فوعدوه بفيلا في حي راقي، فما يهتم له ليس حالة البيت المزرية وإنما ما يجعله يحيا في تلك الفيلا وهي صحته الجسمية والفكرية والوجدانية فهذا ما يمكنه أخذه معه. فكلما اهتم بهذه الجوانب واستمتع بها ونمّاها؛ زاد اطمئنانه. كون ما وعد به مؤمن بوجوده فلا يمكنه العيش في الفيلا باستمتاع وهو مريض وبداخله شك بخصوص وجودها. إرادة الله نافذة وحكمته فائقة فيجب على الإنسان أن يتحلّى بالإيمان، أن كل ما يحدث له خير -كونه يظهر طاقته الكامنة ويفعلها- فحين يصدق ويعيش ما يؤمن به دون السماح للأحداث العابرة بتشتيت انتباهه وفقدان تركيزه ساعتها كل ما في الكون سيعمل معا ليجلّي له ما يؤمن به حقا مهما كانت الظروف قاسية.